بسم الله الرحمن الرحيم
الآيات الكريمة تصف خروج الماء من الارض بوصف دقيق وبليغ
وأهمها قوله تعالى (وفار التنور)
وقوله تعالى (وفجرنا الأرض عيونا)
فلو أننا ننظر إلى الامر من زاوية علمية فإن هذا الماء الخارج من الارض بعد تشققها هو ماء حار وهو في درجة حرارة أعلى من درجة غليان الماء لآنه كان محجوزا تحت قشرة الارض وخير دليل على هذا قوله تعالى (وفار التنور) ، وكذلك قوله تعالى "وفجرنا الارض عيونا"
فهذا الفوران يدل على وجود بخار الماء الساخن بكثرة .
فما يحدث عادة بعد صعود البخار الساخن إلى أعلى هو برودته وتكثفة ومن ثم سقوطه كماء منهمر الذي تتحدث عنه الآيات الكريمة.
وهناك نظرية علمية ثابتة تقول أن الغازات عندما تخرج من منطقة ضغط عال إلى منطقة ضغط منخفض ومن خلال فتحة ضيقة فإنها تبرد ، وعلى أساس هذه النظرية يتم إسالة الغازات في مصانع تسييل الغازات وتعبئتها في إسطوانات. ولمن أراد من طلبة العلم الاستزادة فهذه النظرية يطلق عليها إسم The Joule-Thomson Effect وكذلك يطلق عليها إسم Adiabatic expansion
ولكي نكون على بينة هنا بخصوص النظريات العلمية الثابتة فهي في الواقع سنن المولى عز وجل في هذا الكون إكتشفها العلماء وصاغوها في صيغة معادلات ونظريات وقوانين.
فعندما نتحدث عن تكثف البخار عند خروجه من منطقة الضغط المرتفع إلى منطقة ضغط منخفض فإننا لا نطوع آية من آيات الله لقواعد علمية بل كل ما نفعله هو تعليل ما حدث.
و جدير بنا ان نشير مرة أخرى إلى ان المولي عز وجل نسب الماء إلى الارض ولم ينسب أي ماء إلى السماء بل أمر السماء فقط بالاقلاع "وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء"
فنستطيع ان نتصور الآن كيف أن البخار المنبعث من الارض يبرد حال خروجه إلى الجو ومن ثم يتكثف وينزل مطرا منهمرا.
ومما يؤكد على صدق هذا التصور أن أول ما ذكر من الطوفان هو فوران التنور أي خروج الماء الحار والبخار من جوف الارض.
وفي كل السور التي تطرقت لقصة سيدنا نوح نلاحظ ذكر فوران التنور أولا أو ذكر الماء المنهمر أولا ثم يأتي بعدها ذكر عيون الارض.
كما أنه بعد حدوث الطوفان العظيم علينا ان نلاحظ أن الأمر للارض ببلع الماء جاء قبل صدور الامر للسماء بالاقلاع وهو تسلسل منطقي وعلمي.
ذلك أن المطر المنهمر مصدره في الواقع هو ماء الارض سواء كان ذلك عند خروجه كبخار متفجر أو كماء حار منبثق من العيون أو عن طريق زيادة التبخر الناتج عن زيادة الرقعة التي يغطيها الماء .
فلو أن الامر في القرآن الكريم صدر للسماء أولا أن تقلع لقال المشككون أن في هذا خلل لأن البخار سيتراكم بكثرة وبشكل يستحيل معه التنفس.
أي أن الآيات القرآنية تتحدث عن توقف المسبب ثم يأتي بعدها الاثر (cause and effect) وهو تسلسل منطقي وعلمي.
والنتيجة المنطقية لبلع الارض لمائها ولإقلاع السماء أن ينحسر الماء ولذا جاءت بعدها جملة "وغيض الماء" في تسلسل منطقي وتبعها بالطبع إستواء السفينة على جبل الجودي.
وعندما نفكر مليا في تسلسل الاحداث نستطيع أن نكتشف تفاصيل أدق.
فالحوار الذي دار بين سيدنا نوح وإبنه يكشف لنا تفاصيل دقيقة
فبعد فوران التنور مباشرة بدأ منسوب الماء يرتفع بسبب المطر المنهمر الناتج عن تكثف البخار وبسبب العيون المتفجرة ولكن الابن العاص كان قادرا على تفادي الغرق ورفض الركوب مع أبيه في السفينة التي بدأت بالابحار ،نفهم هذا من قوله تعالى "ونادى نوح إبنه وهو في معزل يا بني إركب معنا"
فإبن سيدنا نوح ربما كان يقف في منطقة عالية نسبيا أو أنه كان في مأمن مؤقت وكان محاط بالماء ولكنه قدر أنه إذا ما إنتقل إلى مستوى أعلى فإنه سينجو وذلك برده "قال سأوي إلى جبل يعصمني من الماء" وفي هذه إشارة إلى إزدياد منسوب الماء بإضطراد .
فالماء كان موجودا ولكن الطوفان لم يبدأ بشدة بعد والسفينة بدت تطفو وصار الطرفان ( المؤمنون والكافرون )على ثقة من قيمة هذه السفينة و في هذه اللحظة إختفت السخرية التي كانت سائدة.
وتأتي لحظة التحول الكبرى عندما إقتربت أول موجة كبيرة وصفها المولى عز وجل بعبارة دقيقة وبليغة "وحال بينهما الموج فكان من المغرقين"
لم يسمع بعدها أي شيء من إبن سيدنا نوح إلا أن الحدث كان قاسيا جدا على سيدنا نوح فبعد رسو السفينة خاطب ربه فيما بعد قائلا "ونادى نوح ربه فقال رب إن إبني من إهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين"
والآيات الكريمة أوردت هذا النداء بعد إستواء السفينة على الجبل فكأنما سيدنا نوح كان يأمل أن يجد إبنه متعلقا بالسفينة أو ناجيا بطريقة أخرى .
وكم كان موقفا صعبا ووقتا عصيبا على سيدنا نوح عليه وعلى نبينا السلام ،يرى إبنه يغرق أمامه وهو يناديه فلا يقبل ، ولا أحد يواسيه أو يعزيه خاصة وأن الزوجة هي الاخرى في عداد الظالمين
الجزء التالي جري السفينة
رجوع
www.i3jaz.com