بسم الله الرحمن الرحيم
لقد وصف المولى عز وجل حركة السفينة بالجري فقال "وهي تجري بهم في موج كالجبال"
ويجب أن نلاحظ هنا دقة التعبير في قوله تعالى "تجري" فالجري هو الانتقال بسرعة .
وكلمة الجري وصف المولى عز وجل بها كثير من حركات الانهار والرياح والاجرام.
ففي الجنة كثيرا ما توصف حركة مياه الانهار بالجري "تجري من تحتها الانهار" وتصل قمة البلاغة والرقة في وصف جريان الماء بقوله تعالى
"فيهما عينان تجريان" فالحركة هنا مزدوجة ومنفصلة ولكنها متجاورة
وجري الماء يعبر عن الحركة والطاقة والحياة ومضاده هو الركود وعندها يوصف الماء بالآسن.
وعند التدبر في جري السفينة يخطر ببالنا سؤال منطقي
ما هي القوة التي كانت تدفع سفينة سيدنا نوح وتجعلها تجري ؟
فالآيات الكريمة والحديث الشريف وكذلك التفاسير والمصادر المسيحية أو اليهودية لم تتحدث عن أشرعة تدفع هذه السفينة بقوة الريح.
بالاضافة إلى إحتمال عدم وجود ريح بين هذه الامواج العالية .
ومن المستبعد أن يكون المؤمنون الذين ركبوا السفينة مع سيدنا نوح يقومون بالتجديف لجعل السفينة تجري على الماء.
وذلك لثقل السفينة وحمولتها ولإضطراب البحر ، ولم نجد أي ذكر لمجاديف سواء في القرآن أو التفاسير أو حتى الاسرائيليات أو المصادر المسيحية.
وعدد المؤمنين كان قليلا وبنيتهم الجسدية هي أيضا قد تكون غير مناسبة فلم يذكروا على أنهم أقوياء أصحاء بل وصفهم الكافرون بكلمة "أراذلنا".
أضف إلى هذا أنه هناك مطر غزير جدا وصفه المولى عز وجل "ماء منهمر" فهذا الماء لا يناسب وجود شراع ولايناسب الجدافين أن يعملوا تحته.
فضلا عن أن السفينة لابد أنها كانت مغطاة حتى لا يغرقها الماء المنهمر.
فما هي القوة التي كانت تدفع سفينة سيدنا نوح وتجعلها تجري ؟
عندما فكرت في الموضوع كمهندس وحاولت التعرف على تلك القوة إحترت في البداية ثم وجدت الجواب في نفس الآية.
ولنقرأ الآية من جديد "وهي تجري بهم في موج كالجبال"
سبحان الله
فما هو الموج؟
الموج هو تلك الكتلة المائية المتحركة والمرتفعة في منسوبها عن سطح الماء المستقر
فأنظروا معي يا إخوتي الكرام في قوله تعالى "في موج" وبالذات في حرف الجر هذا "في"
المولى عز وجل لم يقل "على الموج" بل قال "في موج" وهذا دليل على أن حركة السفينة هي من ضمن حركة الموج.
سبحان الله
وحتى نفهم هذا المعنى أود منكم أن تستحضروا في أذهانكم صورة رياضي يمارس رياضة التزحلق على الموج مثل تلك الامواج الموجودة بالمحيط الهادئ المقابل لسواحل جزر هاواي الامريكية.
فهذا الرجل في الواقع يجري في الموج والموج هو الذي يدفعه وهذا الموج الذي نشاهده أحيانا على شاشة التلفاز هو صغير جدا مقارنة بالموج الذي كان يحمل ويدفع سفينة سيدنا نوح عليه السلام.
فسبحان من يقول "وهي تجري بهم في موج كالجبال"
والمولى عز وجل عندما يشبه الموج بالجبال فعلينا بالفعل أن نتصورها في حجم الجبال لأن القرآن الكريم ليس فيه اسلوب المبالغة فالموج والجبال كلها من خلق الخالق المبدع.
وعندما يكون الموج ضخما كالجبال كما وصفه المولى عز وجل فإن حركته ستكون عظيمة ومستقرة ومنتظمة ولا تحدث له عملية إنقلاب وإنكسار كتلك التي نشاهدها على شواطئنا.
وهناك لطيفة أخرى تؤيد هذا الفهم لحركة السفينة وهي قول المولى عز وجل على لسان سيدنا نوح "وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ " والمقصود هنا كلمة "مجراها" فالله سبحانه هو الذي سيجري هذه السفينة وهو الذي سيجعلها ترسو.
فالدفع والتوجيه والابحار والرسو كلها من تدبير المولى عز وجل .
ففي جريها رحمة لأن فيها نجاة من الغرق وفي رسوها رحمة لضرورة العيش على اليابسة لذا ختمت الآية بقوله تعالى "إن ربي لغفور رحيم"
وفي سورة الحاقة ذكر المولى عز وجل هذه السفينة بإسم الجارية "إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية"
ويتجسد هذا المعنى أيضا في قوله تعالى "تجري بأعيننا"
ومنها ندرك أيضا رحمة المولى عز وجل بنا في كلمة "بأعيننا" لأننا جميعا ذرية لركاب تلك السفينة.
الجزء التالي شكل السفينة
رجوع
www.i3jaz.com